الشيخ محمد رشيد رضا

223

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

البقرة 2 : 129 ) أن المراد بالتزكية تربية النفوس وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان مربيا ومعلما وأراد بقوله إن العقائد أساس الملكات ان من لم يتزك عقله ويتطهر من خرافات الوثنية وجميع العقائد الباطلة لا تتزكى نفسه بالتخلي عن الأخلاق الذميمة والتحلي بالملكات الفاضلة ، فان الوثني من يعتقد أن وراء الأسباب الطبيعية التي ارتبطت بها المسببات منافع ترحبى ومضار تخشى من بعض المخلوقات وأنه يجب تعظيم هذه لمخلوقات والالتجاء إليها ليؤمن ضرها ، وينال خيرها ، ويتقرب بها إلى خالقها وأن من يعتقد هذا يكون دائما أسير الأوهام ، وأخيذ الخرافات ، يخاف في موضع الأمن ويرجو حيث يجب الحذر والخوف ، وتتعدى قذارة عقله إلى نفسه فتفسد أخلاقها ، وتدنس آدابها ، فتزكية النفس لا تتم إلا بتزكية العقل ولا تتم تزكية العقل إلا بالتوحيد الخالص . قال الأستاذ الامام : أما تعليمهم الكتاب فمعناه أن هذا الدين الذي جاء به قد اضطرهم إلى تعلم الكتابة بالقلم وأخرجهم من الأمية لأنه دين حث على المدنية وسياسة الأمم . أقول : كان أول حاجتهم إلى تعلم الكتابة وجوب كتابة القرآن وقد اتخذ صلّى اللّه عليه وسلّم كتبة للوحي وكتبوا له كتبا دعا بها الملوك والرؤساء إلى الاسلام وكان يأمرهم بتعلم الكتابة . ثم كان ذلك يكثر فيهم على قدر نماء مدنيتهم وامتداد سلتطهم قال : وأما الحكمة فهي أسرار الأمور وفقه الأحكام وبيان المصلحة فيها والطريق إلى العمل بها ذلك الفقه الذي يبعث على العمل ، أو هي العمل الذي يوصل إلى هذا الفقه في الأحكام . أو طرق الاستدلال ومعرفة الحقائق ببراهينها لأن هذه الطريقة هي طريقة القرآن . وسنته في العقائد وكذا في الآداب والعبادات وقد مرت الشواهد الكثيرة على ذلك وسيأتي ما هو أكثر وأغزر إن شاء اللّه تعالى وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي وإنهم كانوا قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ضلال بين واضح : وأي ضلال أبين من ضلال قوم مشركين يعبدون الأصنام ويتبعون الأوهام أميين لا يقرءون ولا يكتبون فيعرفوا كنه ضلالتهم وحقيقة جهالتهم ، فضلالهم أبين من ضلال أهل الكتاب ، كما هو ظاهر لأولي الألباب .